من ينكر أن اتفاق السلام بين إسرائيل و المحكومة اللبنانية ليس إلا المنجل الحافي في عنق الكرامة الإنسانية ! لكن مزية هذا المشروع المولود ميتا أنه أسقط القناع عن مسمار جحا في الجنوب و حمار جحا في الشمال. كل هذا متوجا بمنغاز العار في كتف وطن نبيل أرادوه حمارا مبردعا.
لكن ماذا لو انطلقنا من بدايات هذه الملحمة المحفورة منذ اليوم أنشودة مذلة على جبين الأجيال.
النبوءة الثوراتية تتحقق
عندما تربع ترمب على عرشه في بيته الأبيض كان بالنسبة للإسرائيليين النبوءة الثوراتية تتحقق. لم يكن إلا يد الله على كتفهم تنير لهم الطريق و تفلق البحر شقين مضيا نحو المبتغى. أي إسرائيل الكبرى بمنها و سلواها و حدائقها الدانية القطوف. ما كانوا ليتصوروا أن هذه اليد، ليست إلا يد غرائزهم تطبق على مطامحهم تعرية و مسخا. فإذا إسرائيل الأعظم إسرائيل الأقزم !
فكيف؟ و ماذا جرى؟ ترمب الحالم بوضع إيران في جيبه وضعته إيران في مصيدتها. ثم، سقته السم الزعاف قبل أن تجعل من أحلامه الوردية أعمدة دخان ؟ فماذا لو نفخنا في هذا الدخان حتى نستجلي ما وراء الأكمة ؟
لننطلق مند البداية. يومها كان ترمب في أوج تألقه مدشنا ولايته بانتصار باهر. لقد أرسل زبانيته لاختطاف رئيس شرعي اقتلاعا من سريره في غرفة نومه و اقتياده مع زوجته أسيرين في سابقة لم يعرف لها تاريخ القرصنة مثيلا. ساعتها، كان ترمب في أوج جبروته أو ليس العالم بأكمله خاتم في أصبعه طوع بنانه؟ أو ليس القائد الأوحد و الزعيم الأخطر صاحب الصولة والصولجان ؟
كان ترامب في أوج استيهاماته
في هذه اللحظة تقدم نتنياهو راكعا صارخا : يا صاحب العزة و الجبروت، إني جئتك من سبإ بنبإ يقين. إن عرش الشاه طوع بنانك بأقاليمه الشاسعة الأطراف و حور عينه و موارده و نفطه المتدفق أنهارا. أي كل هذا الذي يجعل منك ملك الملوك و إمبراطور الأباطرة. نعم، يا صاحب المهابة يكفى أن تمد يدك الفولاذية لخنق القيادة الأيرانية حتى يخرج الشعب في مظاهرات صاخبة هتافا باسمك و اسم الشاه الذي ننصبه أميرا أعظما يأتمر بأمرنا و يدين بطاعتنا.
و كان نتنياهو و هو يتحدث ينشر خرائطه على الطاولة مزودة بكل المعلومات المخابراتية. هنا، مجلس الحكومة و هنا بيت المرشد و هذا سريره و غرفة نومه و هذه حرمه و أولئك أطفاله. إن كل هذا قابل للنسف في لمح البصر بفضل الخطط الموسادية و بركة حائط المبكى !
كان ترامب في أوج استيهاماته و هو يرى نفسه حقا الإمبراطور الأعظم و المالك لخزائن الأرض ذهبا و فضة و قصورا لا تحصى. و أكثر من هذا، فإنه المؤتمن على مفاتيح الشرق الأسط بوابة لوضع اليد على الخليج و اقتصاد الكون! و أكثر من هذا سيجعل العربان مسبحين شاكرين مهرولين خفافا و ثقالا للتعبير عن البيعة و الانضواء تحت الراية الربانية الثوراتية!
و توالت الطعنات صفعات مذلة و ركلات مهينة
وانطلقت الحرب الإجرامية مدشنة رقصتها الجنائزية بالإجهاز على السيد المرشد و زوجته و أطفاله و كل القيادة الإيرانية في عملية غدر تتجاوز خسة و جبنا كل ما عرفته البشرية في أحلك أيامها. و توالت الضربات سحقا و نسفا حد أن مدرسة تم محوها من الوجود بتلميذاتها المائة و الثمانية وستين فتيات صغيرات في عمر الزهور. تحولن مزقا بين أضراس المناجل. كل شيء تم إنجازه بدقة. لم يتبق ساعتها إلا الشوط الثانى من المباراة و التي تفتتح بهبة الشعب الإيراني منتفضا. لكن المفاجأة المهولة كانت عكس ما تم التخطيط له. كان الشعب الإيراني حقا و صدقا في الموعد لا زغردة أو تهليلا بسقوط النظام و لكن تجديفا و لعنا على المعتدي الجبان و مساندة مطلقة لنظام غدا رمز كبرياء و تضحية. و كان هذا طعنة نجلاء في قلب النرجسية الإنجيلو ثوراتية. و جاءت الطعنة الثانية اللامتوقعة أمطار صواريخ على ما سمي كذبا بأرض الميعاد. ثم على القواعد الأمريكية لتحولها هشيما ! ثم الطعنة الثالثة، فكانت مضيق هرمز الذي لم يكن في الحسبان ليصبح أقبح وبالا من القنبلة النووية الموهومة. ثم، الطعنة الرابعة من الشعب الأمريكى و نخبه المستنيرة التي رفضت في إجماع مقدس حربا من أجل عيون إسرائيل. و جاءت الطعنة الخامسة في صفة برميل نفط يتدحرج نحو السماوات العلى. و جاءت الطعنة السادسة مؤكدة أن الضربة الغادرة أفرزت قيادة إيرانية جديدة، أكثر شبابا و صلابة. و جاءت الطعنة الثامنة مؤكدة أن الشرق الأوسط يتشكل من جديد وفق الإرادة الإيرانية الجديدة. و توالت الطعنات صفعات مذلة و ركلات مهينة.
كان ترمب يكتشف ساعتها قامته الصغيرة وعقله الأصغر
و استيقظ ترمب من أحلامه الوردية فالثروات في خزائنه و الإمبراطورية الموعودة. كل هذا يتحول أشواك قتاد في حنجرته و خاصرته ساعتها أدرك أن رفيقه المخلص لم يكن إلا رسول بهدلته. و كيف لا، و قد جز به في حرب لا ناقة له فيها و لا جمل. و لكنه شخصيا ناقتها و جملها و بعيرها.
كان ترمب يكتشف ساعتها قامته الصغيرة وعقله الأصغر. فكيف لا يضرب الطاولة بكلتي قبضته شاتما نتنياهو و ناعتا أياه بأقدح التعابير. و كان نتنياهو ينال ما ناله الطبل ليلة زفاف هائج. و كان هذا إيذان بأن المقاومة الإيرانية أجهزت على شهر العسل بين أمريكا و إسرائيل لتحوله مرارة ثوم ونتانة بصل.
يومها كان محور المقاومة يتعزز. و حزب الله في أوج قوته و حماس تستعيد أنفاسها و سوريا تعيد رسم خرائطها بما يضمن لها عودة أراضيها المحتلة وإسرائيل تكتشف أن فرجة الستريب تيز التي مارستها دهرا انتهت. و أن ما كان مفاتن إغراء بالأمس هو اليوم حميمية تثير القيء.
في هذا الظرف الملبد بغيوم الكوارث تفتقت العبقرية الإسرائيلية عن فكرة الاتفاق الإسرائيلي لبناني برعاية أمريكية و تواطؤ مخجل مع الرئاسة اللبنانية. إنه الاتفاق الذي يريد أن يجعل إسرائيل و أمريكا ترقعان بكارتهما و يشرعن الاحتلال و يجرد الوطن من روح المقاومة. ساعتها يسلم لبنان و كل المنطقة كعكة ناضجة للأنياب الصهيونية.
لكن الاتفاق جاء بعكس ما أراد. فالخيانة بفيض روائحها المزكمة جعلت رعشة الغضب تسري فى جسد الأمة اللبنانية و كل الأمة العربية و جعلت حزب الله يخرج بشرعية مستأنفة. و الجيش اللبناني يرفض أن يلعب اللعبة الوسخة و إيران تنطلق بنفس جديد. كل هذا جعل السلطة العونية تسحب أذيال عارها.

